من أسخف الأفلام الوثائقية التي شاهدتها فيلم من إنتاج قناة الجزيرة الوثائقية لعام 2019 بعنوان الأسطول الأصفر للمخرج المصري محمد قناوي المقيم في إيطاليا، وقد حاولت أن ألتمس له أي عذر أو مبرر لهذا المستوى الضحل من حيث المحتوى والإخراج، فتتبعت سيرته الذاتية وجانباً من أفلامه الأخرى، التي أثبتت لي أن الرجل الذي درس الأدب الإيطالي في جامعة عين شمس ثم اتجه للعمل كمرشد سياحي في مصر مصطحباً معه كاميرته الفوتوغرافية تصور أنه بهجرته إلى إيطاليا أصبح ببعض النقرات على لوحة مفاتيح برامج المونتاج صانع أفلام وثائقية ومخرج.
فعلى سبيل المثال، هناك لقطات في الفيلم يفترض أنها عن حرب 67، لكنها في الحقيقة من حرب 73، ثم إن اللقاءات مع الضيوف في نصف الشاشة بخلفيتهم السوداء مع لقطات أرشيفية في النصف الآخر تعبر عن إفلاس إخراجي لا يحتمله العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.
وبالعودة للفيلم الألماني الذي أنتج قبل هذا العمل بعشر سنوات في عام 2009 بعنوان عالقون في البحيرات المرة: فخّ السفن في قناة السويس سنكتشف نوعا آخر من السخافة على مستوى المحتوى بسذاجته الملفتة للانتباه، فبرغم اللقطات الأرشيفية الجيدة، إلا أن الفكرة المسيطرة على منتج العمل أن البشر طيبون فور تحررهم من أيديولوجياتهم السياسية وانتماءاتهم الوطنية.
القناعة الوحيدة التي خرجت بها من هذه القصة التاريخية الفريدة من نوعها أن الصراع بين البشر لا مفر منه، وأن الاتحاد والتعاون لن يتحقق إلا إذا واجهوا خطراً محدقاً لا يفرق بينهم، مثل غزو كائنات فضائية لكوكب الأرض أو اندلاع جائحة مرضية تهدد حياة البشر.
بل إن التنافس والصراع والمكائد بين أتباع المعسكر الواحد هي السلم المعتاد للطامحين في القيادة والمتسلقين للمناصب والطامعين في الامتيازات.
بالعودة لقصة الأسطول الأصفر بوصفها واحدة من أكثر قصص قناة السويس غرابة وكثافة وإلهاماً، لا لأنها تتعلق بمعركة حاسمة أو بانقلاب في ميزان القوى، بل لأنها تحكي كيف علقت خمس عشرة سفينة شحن في قلب الحرب، ثم تحولت، على امتداد ثماني سنوات، إلى عالم صغير قاوم العزلة بالتضامن.
لم يكن أحد من أولئك البحارة يتصور في صباح الخامس من يونيو 1967، أن الرحلة الاعتيادية عبر قناة السويس ستنقلب إلى إقامة قسرية طويلة داخل واحد من أكثر المشاهد السياسية والعسكرية توتراً في القرن العشرين.
كانت السفن تمضي في مسارها الطبيعي، ضمن قافلة بحرية تعبر القناة في اتجاه الشمال، قبل أن يقطع نسمات الصباح هدير الطائرات الإسرائيلية فوق المطارات المصرية، وتبدأ الحرب التي ستعرف لاحقًا بحرب النكسة.
في تلك اللحظة، لم تعد السفن التجارية مجرد ناقلات بضائع بين القارات، بل تحولت فجأة إلى شهود عيان على انفجار المنطقة، وإلى أجسام عالقة بين نارين لا تسمح لها بالحركة ولا بالعودة.
وحين انقشعت اللحظة الأولى من الصدمة، وتوقفت المعارك الكبرى، كان القرار المصري بإغلاق قناة السويس قد وضع تلك السفن في عزلة كاملة.

في البداية بدا الأمر كما لو أنه تأخير مؤقت تفرضه ظروف الحرب، لكن المؤقت تمدد حتى صار ثماني سنوات وثلاثة أشهر وخمسة أيام، وهكذا وجدت 15 سفينة من بريطانيا وألمانيا الغربية وبولندا والسويد وفرنسا وتشيكوسلوفاكيا وبلغاريا والولايات المتحدة نفسها محاصرة في مساحة واحدة، داخل مشهد دولي كانت الحرب الباردة تقسمه إلى معسكرات متنافرة، إلا أن هذه الجغرافيا المتوترة نفسها ستنتج، فوق صفحة الماء واحداً من أكثر أشكال التعايش الإنساني صفاء.
كان الذين على متن هذه السفن بحارة تجاريين، لا جنوداً ولا ضباط عمليات، عالمهم المعتاد هو الملاحة، والمحركات، والعنابر، ومواعيد الوصول والمغادرة، لا أصوات المدافع والطائرات والذعر المفتوح. لذلك جاءت تجربتهم أقرب إلى الصدمة الوجودية منها إلى مجرد حادث عارض.
الشاب بيتر ريتشموند، الذي كان في التاسعة عشرة من عمره، اختصر ذلك الشعور حين قال إنه وجد نفسه في الصف الأمامي حرفياً، لقد رأى الحرب لا بوصفها خبراً ولا تحليلاً ولا فيلماً، بل بوصفها واقعاً يمر فوق رأسه مباشرة، ومن على ظهر السفن العاجزة بدت الحرب أقل بطولة وأكثر رعباً.
غير أن القيمة الفعلية لهذه القصة لا تكمن في الحصار وحده، بل في الطريقة التي رد بها البحارة على هذا الحصار، فمنذ وقت مبكر أدركوا أن انتظاراً طويلاً من دون نظام أو معنى سيحول السفن إلى أماكن مكتظة بالخوف والملل والانهيار النفسي.
لذلك لم يكتفوا بالصبر السلبي، بل شرعوا في بناء شكل من أشكال الحياة المشتركة، ومن هنا وُلدت رابطة البحيرة المُرة الكبرى، التي لم تكن مجرد جمعية للتسلية أو تبادل الأخبار، بل كانت نواة مجتمع مصغر نشأ من الضرورة، ثم صار بمرور الوقت كياناً له طقوسه وعلاقاته ورموزه وروحه الخاصة.
قد جمعت رجالاً من دول متباعدة، ينتمون إلى قطبي الحرب الباردة وحلفائهما، وبعضها يحمل موروثات سياسية متنافرة، لكنها نجحت في خلق مساحة يومية يتراجع فيها معنى الخصومة الدولية لصالح معنى أبسط وأعمق، وهو أن الجميع عالقون، وأن النجاة لا تكون إلا بالتعاون.
صنعت الرابطة رموزها الخاصة بعناية عفوية شديدة الدلالة، فوضعت عوامة في وسط البحيرة تحمل الرقم 14، في إشارة إلى عدد السفن المجتمعة هناك، وغدت هذه العوامة أشبه بساحة عامة أو مركز رمزي لذلك العالم الصغير، وفي مواسم الأعياد كانت تثبت فوقها شجرة ميلاد مضاءة، فتبدو كأنها ومضة حياة في قلب مياه ساكنة وصحراء صامتة.
اعتمد البحارة أغنية Yellow Submarine للبيتلز نشيدا غير رسمي لهم، في مفارقة شفافة تختلط فيها السخرية المريرة بخفة الروح، لم تكن هذه الطقوس ترفاً نفسياً، بل كانت جزءاً من معركة أعمق.
ومع الأيام، ثم الشهور، ثم السنوات، بدأت تلك السفن تنتج اقتصادها اليومي الخاص. كانت العنابر محملة بالبضائع التي كان يفترض أن تصل إلى أسواق بعيدة، لكن الحرب جمدت كل شيء، فصارت الحمولة نفسها مورداً للحياة، فظهرت المقايضة، لا بوصفها حيلة طريفة، بل باعتبارها ضرورة معيشية.
هذه السفينة فيها البيض، وتلك فيها اللحم، وأخرى تحمل الفاكهة أو الروبيان أو الأطعمة المعلبة، ومن ثم نشأت شبكة تبادل حية بين الجميع، وتحولت بعض السفن إلى ما يشبه المخزن العام، وصار الطعام نفسه لغة تعاون يومية، وبذلك لم تقتصر المقايضة على تأمين الاحتياجات، بل عمقت إحساس الطواقم بأن المصير مشترك.

من بين أكثر الصور سطوعاً في هذه الحياة المشتركة أولمبياد البحيرة المرة، ففي عام 1968، وبينما كان العالم يتابع دورة الألعاب الأولمبية في المكسيك ، قررت سفن الأسطول أن تنظم ألعابها الخاصة، لتتحول بذلك أسطح السفن إلى ملاعب ومسارح للتنافس، وأقيمت مسابقات في كرة القدم ورفع الأثقال والسباحة والتجديف والقفز العالي، وصُنعت ميداليات يدوية، وسُجلت النتائج، واحتُفل بالفائزين.
في هذه اللحظة بالذات، لم يكن البحارة يملأون وقتاً فارغاً فحسب، بل كانوا يستعيدون حقهم في أن يكونوا بشراً كاملي الوجود، لا مجرد رهائن للانتظار، وكانت الألعاب، في أحد وجوهها، استرداداً رمزياً للحرية داخل فضاء مغلق، وإصراراً على أن الحرب لا ينبغي أن تصادر قدرة الإنسان على الفرح والتنظيم واللعب.
ولم يتوقف هذا الوعي بالهوية عند حدود الترفيه، بل امتد إلى البريد أيضاً، فقد صنع البحارة طوابعهم الخاصة بأيديهم، وحفروها على مواد بسيطة، ثم وضعوها على الرسائل التي يرسلونها إلى بلدانهم إلى جانب الطوابع المصرية الرسمية لضمان وصولها.
مع الوقت، صارت هذه الطوابع من أشهر رموز الأسطول الأصفر، الذي حمل هذا الاسم بسبب رمال الصحراء التي أكسبته صفرتها مع هبوب الرياح على مدار الشهور والسنوات.
مع كل هذا، لم تكن الحياة في البحيرة المرة رومانسية أو آمنة، فقد بقيت السفن داخل منطقة قتال مفتوحة، وظل صوت الحرب حاضرا على الضفتين، خصوصا خلال حرب الاستنزاف ثم حرب أكتوبر 1973. كانت الطائرات تمر، والقذائف تُرى، والانفجارات تقع على مسافات ليست بعيدة، لتقصف إسرائيل السفينة الأمريكية إس إس أوبزيرفر التي كانت في بحيرة التمساح، دون خسائر بشرية.
وقد استحضرت شهادات البحارة هذه المفارقة الحادة بين الحياة التي حاولوا صنعها فوق الماء، والعنف المستمر الذي يحيط بهم من كل جانب.
ومن الناحية التقنية، لم يكن الحفاظ على السفن أقل صعوبة من الحفاظ على الأعصاب، فسنوات الانغماس في مياه عالية الملوحة وتحت رياح الصحراء وحرارتها كانت كافية لتحويل أي سفينة إلى هيكل متآكل إذا تُركت من دون صيانة، لذلك أبقيت أطقم صغيرة على عدد من السفن، مهمتها تشغيل المحركات دورياً، وصيانة الدفات والمراوح، ومراقبة الأنظمة الكهربائية، والحفاظ على الحد الأدنى من الجاهزية تحسباً لأي انفراج مفاجئ.
ومع طول المدة، بدأت الشركات المالكة تعيد ترتيب وجودها داخل البحيرة لتقليل النفقات، فتقلصت الأطقم، وجُمعت بعض السفن في مجموعات مشتركة، وتكثف التعاون العملي بين الجنسيات المختلفة.
وحين بدأت التحولات السياسية والعسكرية بعد حرب أكتوبر تفتح أفقاً لإعادة تشغيل القناة، كان الزمن قد ترك بصمته القاسية على كل شيء، واستغرقت عمليات إزالة الألغام والسفن الغارقة وتجهيز الممر الملاحي سنتين، كما كانت حال السفن نفسها متفاوتة؛ فكثير منها لم يعد صالحًا للإبحار بقوته الذاتية، واضطرت القاطرات إلى سحب معظمها.

المفارقة الوحيدة أن السفينتين الألمانيتين مونسترلاند ونوردڤيند تمكنتا من تشغيل محركاتهما والانطلاق بقوتهما الذاتية، في نتيجة بدت كأنها مكافأة متأخرة على سنوات الصيانة الصبورة والانضباط اليومي.
وعندما وصلت مونسترلاند إلى هامبورغ في عام 1975، كان المشهد أقرب إلى استقبال عودة أسطورية، فلقد أنجزت السفينة واحدة من أطول رحلات الشحن البحري في التاريخ استغرقت ثماني سنوات وثلاثة أشهر وخمسة أيام.
لهذا كله، يظل الأسطول الأصفر واحداً من أعجب الفصول في تاريخ قناة السويس، الذي لن نتذكره إلا بعد ذلك بأكثر من 45 عاماً، مع جنوح سفينة إيفرغيفن المملوكة لشركة شوي كيسن كايشا اليابانية الذي سيعطل الملاحة في قناة السويس في عام 2021 لستة أيام متتالية، فيخسر الاقتصاد العالمي جراء ذلك مليارات الدولارات وذلك وفقاً لغرايس كاي في مقال لها بموقع بيزنس إنسايدر بعنوان السفينة العملاقة العالقة في قناة السويس تكلف الاقتصاد العالمي ما يقدر بنحو 400 مليون دولار في الساعة.





